|
عند
بزوغ فجر الدعوة الإسلامية التي كان قد
بشر بها رسول الله محمد (صلى الله عليه و سلم)
بعد أن خافت بها في قريش ثلاث سنين حيث سفه
الأحلام وهاجم الشرك لكي يخرج البشرية من
عالم الظلمات إلى عالم النور والشهادة،
عالم العدل والتسامح والمساواة بين أبناء
البشر كافة حيث لاتفريق ولا طبقية بين
الأبيض والأسود من الناس وبين الغني
والفقير كما جاء هذا الدين الحنيف من أجل
رفع الحيف عن الضعفاء والمظلومين من البشر
وما أن لمسَ الناس هذه الحقيقة النيرة عن
هذا الدين المنقذ حتى أخذوا يدخلون فيه
جماعات ووحدانا متطوعين لامرغمين إلا من
دخل الشيطان في قلوبهم من عابدي الأصنام
من المشركين الذين وقف الإسلام منهم
موقفاً حازماً بل قاتلهم في عقر دورهم من
أجل نصرة الإسلام والمسلمين وإعلاء كلمة [لا
إله إلا الله محمد رسول الله] وفي مثل
هؤلاء قال الرسول الكريم (صلى الله عليه و سلم)
: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا (لا إله
إلا الله) ومتى قالها أعصم من ماله ودمه
المستبدين الطغاة، هذا الدين المنقذ الذي
أمتد من مشارق الأرض حتى مغاربها رافعاً
كلمة (الله أكبر) الذي تحطمت على صخرته
وسقطت أكبر دولتين جبارتين كانتا سائدتين
آنذاك ألا وهي الامبراطورية الفارسية
والامبراطورية الرومانية على الرغم من
كثرة عددهم وعدتهم العسكرية التي كانوا
يتبجحون ويفتخرون بها، وعلى عكس هذا كان
المقاتلون والمجاهدون في سبيل الله
لايملكون من السلاح سوى سيوفهم وحرابهم
وسهامهم ليس إلا ، إلا أن النصر المبين كان
حليفهم. ولأضرب هنا مثلين على ما كان عليه
الإسلام يوم كان سيد الموقف وقائد العالم
بقوته الإيمانية وانتصاراته على الأعداء،
وتسامحه وعدله المطلق في أحكامه أقول:
أولاً. لما أراد ملك الفرس أن
يسترجع ماء وجهه الذي فقده على أرض العراق
فقد جهز له آنذاك جيشاً جراراً تعداده
(150.000) ألف مقاتل أو يزيد مدججين بكامل
أسلحتهم العسكرية الكبيرة عندها قام
الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه و أرضاه)
بتجهيز جيش لملاقاة هؤلاء الأعداء من
المشركين لايتجاوز تعداده (30.000) الف مقاتل
سلاحهم الإيمان بالله والشهادة في سبيله
حاملين سيوفهم البراقة وبقيادة البطل
المسلم (النعمان بن مقرن) -لاحظ أخي القارئ
الكريم الفرق بين الجيشين- إلا أن النصر
كان للمسلمين المؤمنين حيث دحروا جيوش
المشركين وانتصروا عليها بل وابادوها شر
إبادة واندحر الطاغوت كسرى إلى الأبد، كان
هذا في المعركة المشهودة (النهروان) وقد
استشهد فيها بطلنا (النعمان) على أثر سقوط
جواده من كثرة الدماء المراقة على أرض
المعركة حيث قتل من اثر تلك السقطة }وكم من
فئة غلبت فئة كثيرة بإذن الله{ هذا لو
علمنا أنه قد سبقت هذه المعركة التي
ارتفعت فيها راية (الله أكبر) معارك كثيرة
كان النصر فيها حليف المسلمين مثل معركة (النمارق)
و(اليرموك) ضد الرومان، ومعركة (القادسية)
تلك المعركة المشهودة التي شارك فيها حتى
النسوة من نساء المسلمين وفتيانهم،
وغيرها من المعارك التي لامجال لذكرها.
ثانياً. أما عن عدل الإسلام
وتسامحه اقول:
لما ولي عمر بن الخطاب (رضي الله عنه و أرضاه)
البطل سعيد بن عامر على مدينة حمص، بعد
اندحار الروم عنها، وبعد فترة من تولي هذا
البطل المؤمن على هذه المدينة حتى أخذ
الناس يشكون منه ومن تصرفاته، وعندما قام
الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه و أرضاه)
بزيارة تلك المدينة، عندها رفع الناس إليه
شكواهم وما أن أطلع عليه حتى استقدم من
فوره (سعيد بن عامر) كما استدعى ايضاً
ابناء تلك المدينة ووضعهم وجهاً لوجه مع
من ولاه عليهم وكان هذا في مسجد (حمص) فجرت
المحاورة العادلة بينهما كالآتي:
قال الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه و أرضاه)
موجهاً كلامه إلى سعيد: ما قولك بأنك
لاتخرج إليهم حتى يتعالى النهار؟
قال سعيد (رضي الله عنه و أرضاه)
: يا أمير المؤمنين ليس لي من يقوم بعجن
الطحين وخبزه حتى أقوم أنا بذلك بنفسي،
ومن ثم أتوضأ وأخرج إليهم.
قال الفاروق عمر: وما قولك عن
عدم إجابتك لأحدهم في الليل؟
قال سعيد: يا أمير المؤمنين اني
جعلت النهار للناس أما الليل فقد جعلته
لله!
قال الفاروق عمر: ما قولك من
عدم خروجك إليهم يوماً واحداً في الشهر؟
قال سعيد: ليس لي يا أمير
المؤمنين أحد يقوم بغسل ثيابي وليس لي
ثياب غيرها. فأجلس لغسلها حتى تجف ثم
أرتديها وأخرج إليهم قبل انقضاء النهار!.
قال الفاروق عمر: ما قولك يا
سعيد بأنه يغمى عليك يوماً واحداً عند كل
شهر؟
قال سعيد: يا خليفة المسلمين
إني قد شهدت مقتل جنيب الأنصاري بمكة وقد
قطعوا أوصاله إرباً إرباً لمعارضته
للمشركين وتمسكه بدينه وكان ينادي (يامحمد)
فما أن أتذكر ذلك اليوم حتى يغمى عليَّ
لأنني لم أستطع مساعدته وإنقاذه منهم حيث
كنت يومذاك من المشركين وكنت أعتقد بأن
الله لايغفر لي ذنبي هذا فيغمى عليَّ.
وما
أن سمع الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه و أرضاه)
قوله هذا حتى شكر الله على من ولاه، أما
المجتمعون فقد فغروا أفواههم لما سمعوا ما
قاله من ولي عليهم حيث نكسوا رؤوسهم خجلين.
هذا
كان موقف الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه و أرضاه)
.
|