|
ثالثاً:تبديد الوقت
الوقت عامل مهم جداً لإنجاح مهمة
الخطبة، والحذق من خطباء الجمعة من يعنى
بهذا العامل، ويمنحه حقه، ويحول دون
تبديده وأعني بتبديد الوقت هدره سواء كان
ذلك بجعله قصيراً لايفي بحق الموضوع
المنتخب للحديث فيبدو الخلل واضحاً في
بنيتها، أو يجعله طويلاً يصل بالمصلين حد
السآمة الذي تضيع معه لديهم الفائدة
المتوخاة منه. وقد دلت التجارب على أن
إطالة الخطبة على المصلين إلى الحد الذي
بيناه مفض إلى تبخر جُلِّ المعلومات التي
حصلوا عليها أثناء الخطبة، وبه يكون
الخطيب قد بلغ في آخر الخطبة ما يهدم الذي
بناه في أولها وأوسطها.
والحق
أن تقدير الوقت المناسب للخطبة يختلف
باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص
والأحوال فوقت الخطب في الشتاء -مثلاً-
يختلف عن وقتها في الصيف، والإختلاف قائم
بين المساجد المكيفة تدفئة وتبريداً وغير
المكيفة. كما أن وقتها في المدن يختلف عن
وقتها في القرى والأرياف. والمدن نفسها
يختلف وقت الخطب في أحيائها المتمدنة التي
غالباً ما يكون أهلها مرتبطين بأعمال
وأشغال وإلتزامات متعددة، عن الأحياء
الشعبية التي يعاني أهلها من فراغ كبير
يوم الجمعة.
ويخضع
لهذا التفاوت أيضاً طبيعة الموضوع
المختار للخطبة من حيث الأهمية والخطورة
والأهداف. وفي كل الأحوال فإن تقدير ذلك
بدقة متروك للخطيب نفسه عبر تجاربه
الأسبوعية، ومن خلال سماعه آراء مصليه من
تقدير الوقت المناسب.
كما
أن بمقدور الخطيب ملاحظة ذلك بنفسه أثناء
الخطبة، من خلال نظرته في وجوه المصلين،
وملاحظة درجة استجابتهم، فإذا وجدهم
منشدين إليه، منسجمين معه، فالوقت إذاً
فيه متسع، أما إذا صرفوا أنظارهم عنه
وبدأوا يغيرون من أوضاع جلساتهم أو أخذوا
ينظرون إلى ساعاتهم، أو تعبث ايدهم
بشعورهم وجلودهم، فإن ذلك كله مؤشر على أن
الوقت قد انتهى.
والخطيب
الكيّس الذي يستجيب لهذه العلامات وينهي
خطبته في الحال، إذ لافائدة ترجى من (المتابعة)
بل الزيادة -والحالة هذه- كالنقصان، لأن
استيعاب المصلين لما بعد ذلك من المعلومات
سيكون صعباً، وربما يؤدي-كما بينا- إلى
نسيان المعلومات التي أثيرت أول الخطبة
وأوسطها.
ومع
أن تحديد الوقت متروك للخطيب، فيمكننا وضع
أنموذج من التوقيت -تمخضت عنه تجاربنا-
يمكن أعتماده في الحالات العامة، ويترك
الإجتهاد في الظروف الإستثنائية للخطيب
نفسه ضمن الوسائل التي اشرنا إلى بعضها
آنفاً.
طبيعة المكان
حد أدنى للوقت حد
أوسط حد أعلى
أحياء متمدنة
15 دقيقة
25 دقيقة 35
دقيقة
أحياء شعبية
25 دقيقة
35 دقيقة 45
دقيقة
قرى وأرياف
30 دقيقة
40 دقيقة 50
دقيقة
وهنا
لابد من التذكير بأن وقت الخطبة كلما قصر،
زاد جهد التحضير وطال وقت الإعداد، لأن
ضغط الوقت يستلزم تركيز المعلومات وليس
ذلك بالهين، يقولون: أن أحد الزعماء أعطى
كاتبه طائفة من المقررات المهمة ليصوغ
منها خطاباً يلقيه إلى أبناء شعبه على أن
يكون زمن الخطاب ساعة كاملة، فطلب كاتبه
أن يمهل يوماً، ثم بدا للزعيم أن يختصر
الوقت إلى عشرين دقيقة، فطلب الكاتب
إمهاله يومين.
وما
فعله الكاتب عين الصواب، وهو دال على
ذكائه وفطنته، بقي أن نشير إلى أن بعض
الفضلاء يدعوا إلى ضرورة اتباع السنة
النبوية في شأن الخطب، والسنة فيها تقصير
وقتها، مستدلاً بالحديث الذي يرويه عمار
بن ياسر أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم)
يقول: ((أن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة
من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة
وأن من البيان لسحرا)) وغير ذلك. والذي نراه
أن حال الخطبة على زمان النبي (صلى الله عليه و سلم)
يختلف عن حالها اليوم، فهي في عهده (الشريف)
كانت في أكثر الأحيان -لغرض التذكير فقط-
والتذكرة لاتحتاج إلى وقت طويل، وإنما
كانت للتذكرة فقط، لأن حياته الشريفة كلها
تشريع وإرشاد، وأمر بالمعروف ونهي عن
المنكر والصلة به قائمة، ولقاءات الناس
معه لاتنقطع، فمواعظه الشريفة تلقى إليهم
ليل نهار وتوجيهاته السديدة لهم قائمة على
المدار، فكانت الخطبة -في كثير من الأحيان-
لتذكيرهم بما تعلموه منه في سالف الأيام..
يدل على هذا حديث جابر بن سمرة (رضي الله عنه و أرضاه)
((كانت صلاة رسول الله (صلى الله عليه و سلم)
قصراً وخطبته قصراً يقرأ آيات من القرآن
ليذكر الناس)). فضلاً عن أن النبي (صلى الله عليه و سلم)
له خطب في غير أيام الجمعة يلتقي فيها
الناس ويجمعهم ليتعلموا أمور دينهم وكانت
أطول من خطبة الجمعة، وهي ما تسمى بالخطب
العارضة.
أما
خطب الجمعة في زماننا فتكاد تكون فرصتنا
الوحيدة للقاء بالمصلين رجالاً ونساءً
ولذا فإن مهامها عديدة فهي لتثبيت العقيدة
ورد الشبهات، وهي لتعليم الفقه وهي للأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك.
فإلزام الخطيب بوقت قصير يفوت على الخطيب
الفرصة لأداء مهامه، ويحرم المصلين من
فوائد كثيرة، وفي ذلك خسارة للطرفين.
|