|
(إِذَا
جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) (النصر:1)
والنصر: هو العون. الإعانة على
تحصيل المطلوب. والفتح: هو تحصيل المطلوب،
(إذا) باسم الشرط إعلاماً بأنه لاينقص ما
قدره سبحانه، وإن توهمت العقول أنه فات
وقته. وليحصل لقلبك الإخلاص والخوف
والرجاء فالوقت قد قرب (فكن متوقعاً
لوروده.. مستعداً لشكره) و(جاء) استقر وثبت
في المستقبل بمجيء وقته المضروب له في
الأزل. -قاله البقاعي- ولاحظ أخي أن الأمور
مربوطة بأوقاتها، وأنه سبحانه قدر لحدوث
كل حادث أسباباً معينة وأوقاتاً مقدرة،
يستحيل فيها التقدم والتأخر، فإذا حضر ذلك
الوقت وجاء ذلك الزمان حضر معه ذلك الأثر
وإليه الإشارة في قوله تعالى: ]وإن من شيء
إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر
معلوم[ واللفظ هنا دلَّ على أن النصر كان
كالمشتاق إلى نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه و سلم
. (نصر الله) النصر درجات أُشير إليه هنا
بمنطلق الإضافة إلى الإسم الأعظم يراد به
أعلى درجات النصر. و(الفتح) يراد به مطلق
الفتح، الصالح لكل فتح، منها فتح مكة..
فذُلَّ بذلك جميع العرب يقولون (لاطاقة
لنا بمن أظفره الله بأهل الحرم).
[ورأيت الناس
يدخلون في دين الله أفواجا]
قال القرطبي: أريد بالناس أهل
اليمن ورد منهم سبعمائة إنسان مؤمن طائعين
بعضهم يؤذنون وبعضهم يقرأؤون القرآن
وبعضهم يهللون فسّر بذلك النبي صلى الله عليه و سلم
وبكى عمر وابن عباس. وفي صحيح مسلم: ((أتاكم
أهل اليمن، هم أضعف قلوباً وأرق أفئدة،
الفقه يمان، والحكمة يمانية)). وروي أن
الناس دخلوا في دين الله أفواجاً وسيخرجون
منه أفواجاً!!.
(ورأيت) بعينيك تشريفاً لك يا
سيد الخلق صلى الله عليه و سلم
.
(الناس) العرب الذين كانوا
اذلاء فصاروا أتباعك (بإذن الله) هم الناس..
وسائر أهل الأرض أتباعاً لهم.
(يدخلون) شيئاً فشيئاً دخول
مستمر.
(في دين الله) في شرع من لم تزل
كلمته (سبحانه) هي العليا.
(أفواجاً) جماعات، فوج بعد فوج.
]فسبح بحمد ربك واستغفره إنه
كان تواباً[
أخي
في الله.. كم نحن مقصرون.. فالاستغفار يجب
إتيانه لا للمغفرة بل تعبداً، وقيل هذا
تنبيه لأمة محمد (صلى الله عليه و سلم)
لكيلا يأمنوا ويتركوا الإستغفار وروى
مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- كان رسول
الله (صلى الله عليه و سلم)
يكثر من قول ((سبحان الله وبحمده، أستغفر
الله، وأتوب إليه)) فقلت: يارسول الله أراك
تكثر من قول:((سبحان الله وبحمده، أستغفر
الله، وأتوب إليه)) فقال (صلى الله عليه و سلم):
((خبرّني ربي أني سأرى علامة في أمتي فإذا
رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده)).
(فسبح) التسبيح: تنزيه عن النقص
وإشارة إلى إكماله الدين تحقيقاً لما كان
من تقدم وعده الشريف. ((تحلّق روحي عالياً
بذكر ربي)) اصل الكلمة من السبح: المر
السريع في الماء أو في الهواء. نزّه بقولك
وفعلك في الصلاة وكل أفعال العبادة.. الله
خالقك. وهذا التسبيح متلبس بكمال وإجلال
وتعظيم.
(بحمد ربك) حامداً له ما أتاك من
النصر!!. ولاحظ أخي الإيناس البديع في كلمة
(ربك) ربك أنت الذي أنجزك الوعد بإكمال
الدين وقمع المعتدين، المحسن إليك أبداً
لكرامتك عنده (سبحانه).
(واستغفره) بعد أن أمر (صلى الله عليه و سلم)
بالتنزيه والتعظيم، ووصفه تقرباً إليه (ربك)
وصل إلى نهاية ذاك مخاطباً لأعلى الخلائق..
بأنك عاجز عن الوفاء بحقي لما لي من العظمة
(المشار إليها في السورة بذكر اسم الله
الأعظم مرتين) ومن كماله سبحانه أن يأخذ
بالذنب.. أو يغفره مهما كان عظيماً ليحث
سبحانه على المبادرة إلى التوبة وتكثير
الحسنات. (قاله البقاعي).
لتقتدي
بك أمتك.. في المواظبة على الأمان الثاني
لهم.. فإن الأمان الأول الذي هو أنت (صلى الله عليه و سلم)
.. وجودك بين أظهرهم قد دنا رجوعه إلى
الرفيق الأعلى ومن فنّ الذكر الذي كان
يدعو به سيد الخلق محمد (صلى الله عليه و سلم)
: ((سبحانك لا أحصي ثناءً عليك انت كما
أثنيت على نفسك)).
لاحظ
أخي في الله.. كيف أن قدوتنا محمد (صلى الله عليه و سلم)
لاينسب العمل إلى نفسه إطلاقاً. دخل
مطأطئاً رأسه الشريف حتى ليكاد يمس واسطة
الرحل.. تواضعاً لله سبحانه وتعالى
وإعلاماً لأصحابه -رضوان الله عليهم- أن ما
وقع هو بحول الله لا بكثرة من معه من الجمع
وإنما جعلهم سبباً لطفاً منه بهم..
فالاستغفار من الزهو الذي قد يساور القلب..
من سكرة النصر بعد طول كفاح. والاستغفار من
التقصير في جناب الله حمداً وشكراً.. أعلمي
يا نفس أنكِ عاجزة عن أي شيء.. إلا أن يأذن
الله بنصره!! وهكذا.. أخي فإن كان مطلوب من
سيد الخلق (صلى الله عليه و سلم)
النصر والفتح ودخول الناس في هذا الدين قد
وجده.. وعلم أن التبليغ قد تم وكمل وعلم أن ]وللآخرة
خير لك من الأولى[ فأختار (صلى الله عليه و سلم)
اللحاق بالرفيق الأعلى ليفوز الفوز
الأعظم بالسعادة الأبدية في جنان الخلد.
الله إنا لم نحض بلقاء نبينا
محمد (صلى الله عليه و سلم)
في الدنيا.. اللهم فأحشرنا معه في الآخرة
وأغفر لنا وأرحمنا إنك أرحم الراحمين.
|