|
ثانياً:
حل المشكلة السياسية بين النموذجين
الغربي والإسلامي
إن عقد المقارنة يبن كل من النموذج
الغربي والإسلامي في تعامله مع المشكلة
السياسية ينقسم في نظر الباحث إلى جزئين،
يتعلق أولاهما بمنهج تعامل كل منهما مع
المشكلة السياسية، بينما تختص الثانية
بالأشكال التنظيمية والقواعد الإجرائية
التي أضطلعت ببلورتها الخبرة التاريخية
لكل منهما.
1-
منهج التعامل مع المشكلة السياسية:
إن نقطة الإرتكاز في هذا المنهج تتمثل
في الموقف من (حاكمية الله) بإعتبارها
النقطة المرجعية التي يتم الإحتكام إليها
من خارج الجماعة، بعبارة أخرى فإن الأساس
الفلسفي الذي يستند إليه النموذج الغربي
في تعامله مع المشكلة السياسية وسائر
المشاكل الأخرى يكمن في موقفه من الخالق
وجوداً وعدماً، وعلاقته بالإنسان والواقع
المادي.
فالنموذج الغربي يستبعد الله من
النموذج المعرفي ومن ثم من النموذج
الأخلاقي ومن عمليات التعامل مع الواقع (الحياة
الدنيا) ويخضعها جميعاً للقوانين
الطبيعية الكامنة في المادة حتى وإن اعترف
به على مستوى القول، بمعنى عدم إنكار
الخالق بشكل قاطع ومباشر. ويترتب على ذلك
استبعاد كل القيم المطلقة والمثاليات
والقيم الخلقية من النموذج المعرفي ومن
التعامل مع الواقع المادي. إلا أن النتيجة
الأهم التي تتعلق بما نحن فيه (المشكلة
السياسية) أن الضمانات التي يقدمها
النموذج الغربي هي من صنع الجماعة وتقع
جميعاً في داخل النظام القانوني للدولة
ذاتها، تتقرر داخل أجهزة الدولة
ومؤسساتها ويصبح سند الإلتزام بطاعة
السلطة في مجرد الإقتناع بأن القواعد
الوضعية الصادرة عن الدولة قد تمت طبقاً
للإجراءات المحددة لذلك في نظامها
القانوني والدستوري. بعبارة أخرى، الدولة
تصبح (المطلق) وصالحها أو ما يسمى بالصالح
العام يصبح هو الهدف النهائي من حركة
المجتمع، فعلم السياسة الغربي خصوصاً منذ
ميكافيلي وهويز يؤكد أنه لاتوجد أهداف
نهائية ولا غايات مطلقة لوجود الإنسان،
فالخير هو مصلحة الدولة العليا، ومن ثم
فلا يمكن الحديث عن ضمانات وتقيد سلطان
الدولة المطلق، فالشرعية في الفقه
القانوني الغربي يشير مدلولها الدقيق إلى
شرعية السلطة القائمة من حيث صلاحيتها
كسلطة للأمر الذي يستوجب التكليف
بالطاعة، وأن الشرعية لذلك تقع في جملتها
وفقاً لهذا الفقه -في مجال الفلسفة
السياسية (الايدلوجية)- ومن ثم في مجال
سابق على مجال المشروعية التي تعني في
إطار الدولة الغربية الحديثة، قيام
السلطة من ناحية، وقيام نظام قانوني من
ناحية أخرى، وإلتزام الأول بذلك النظام في
كل ما يصدر عنها، ومن هنا فإن المشروعية
ككل، في ظل الدولة الغربية الحديثة، هي من
شأن النظرية القانونية للدولة، بينما تقع
الشرعية بكل قضاياها في خارج الإطار
القانوني للدولة، وهي وفقاً لهذا الفقه
سابقة في الوجود عليها لأن الشرعية تدور
حول مدى صلاحية السند الذي يرتكز إليه
النظام القانوني للدولة في جملته.
ولقد تمثلت ضمانات مبدأ الشرعية في
الدولة الغربية المعاصرة في ضمان قانوني
صرف يتحرك في إطار النظام القانوني للدولة
ذاته ويتقرر مصيره داخل أجهزتها
ومؤسساتها إنه نظام الرقابة على دستورية
القوانين، وهي إما أن تمثلها هيئة سياسية
تقوم على التحقق مسبقاً من دستورية
القوانين، وليس بخاف أن انحراف هذه الهيئة
أمر متصور تبعاً لكونها هيئة سياسية، وإما
أن تستند هذه الرقابة إلى هيئة تضامنية
تمارسها وليس بخاف ان الهيئات التضامنية
القائمة على تلك الرقابة هي في النهاية من
أجهزة الدولة.
والخلاصة في شأن الرقابة على دستورية
القوانين أنها تقع في داخل النظام
القانوني للدولة وتحرك في إطاره، فكيف
تكون رقيبة على الشرعية بالمدلول الدقيق
لها، أي تلك القيم الأساسية والأهداف
العليا للدولة التي هي في ذلك التصور
الغربي للشرعية سابقة على ذلك النظام.
جملة القول في شأن الشرعية كدعامة أولى
لنظام الدولة الغربية المعاصرة أنها تقف
عند مجرد المشروعية في إطار النظام
القانوني للدولة فلا تتجاوزه تاركة بذلك
مضمون الشرعية الدقيق من غير ضمانة حقيقية
أو هكذا ينتهي الأمر في ظل الدولة
المعاصرة إلى مشروعية بمدلول ضيق وضمانة
وضيعة هزيلة هي الرقابة على دستورية
القوانين التي مؤادها الموضوعي هو إلتزام
الدولة بنظامها القانوني الذي هو من وضع
أجهزتها ثم الإحتكام إلى هئيات تنتمي
إليها أيضاً في شأن مدى إلتزامها بذلك
النظام، فهي عادلة طالما التزمت بنظامها
القانوني الذي هو من وضعها والذي تستطيع
التعديل والتبديل فيه كما شاءت(1). أما
الضمانات في النموذج الإسلامي فهي (ضمانات
شرعية) مستمدة من الشريعة لا من قرارات
الأغلبية وبذلك لاتكون تحت رحمة سلطة
الأغلبية أو من هو قادر على تشكيل وصنع هذه
الأغلبية بالأساليب والوسائل المختلفة،
فهي مبادئ ثابتة تفرضها الشريعة وتتأسس
على العقيدة وتلتزم بالاخلاق الثابتة،
وهذا يحميها من الانحراف والتحول. وهذه
الطبيعة الالهية لضامنات أو لمبادئ التي
تحكم حل المشكلة السياسية تحول الضمانات
الى التزمات قبل الله ورسوله او بتعبير
اخر يجعل منها ضرورات وحرمات لا مجرد حقوق(2).
ضرورات
تدخل في اطار الواجبات الدينية التي لا
سبيل لحياة الانسان بدونها حياة تستحق
معنى الحياة ومن ثم فان المحافظة عليها
ليست مجرد حق للانسان بل هي واجب عليه ايضا
يأثم هو ذاته فردا او جماعة اذا هو فرط فيه
ذلك فضلا عن الإثم الذي يلحق كل من يحول
بين الانسان وبين تحقيق هذه الضرورات.
الهوامش:
(1)
د. توفيق الشاوي، سيادة الشريعة في مصر،
القاهرة، الزهراء للاعلام العربي.
(2)
د. محمد عمارة، الاسلام وحقوق الانسان-
ضرورات لا حقوق، ص 13-17.
|