|
كثرت الأقاويل هذه الأيام حول قيام
قوات الإحتلال الأمريكي التي تمكث في سجن
أبي غريب بوضع المعتقلين العراقيين في (خيم)
موزعة على شكل (ساتر) يلف موضع الثكنة
العسكرية الأمريكية المستمكنة في ذلك
السجن بغية صد أو تخفيف الهجمات التي
يتعرضون لها يومياً، أحدث ذلك الأمر قتل
وجرح العديد من المعتقلين جراء تلك
المواجهات والتي يفترض أن يكونون بعيدين
عنها كل البعد.
ولأجل ذلك انطلقنا لنقف عند الخبر
اليقين، ومن محاولات عديدة للاقتراب أكثر
فأكثر من الحقيقة وبرغم الحراسة المشددة
على السجن وضرورة ما استوجب علينا القيام
به وخاصة ونحن نمر في ظروف لا نحسد عليها،
خلصنا بنتيجة واضحة كان مفادها.
سجن
أم معتقل أم كلاهما ؟!
حدّثنا أحد المواطنين من الذين يقطنون
بالقرب من سجن أبي غريب بأن القوات
الأمريكية عندما أتت وسيطرت على السجن،
أطلقت سراح بعض المساجين المتبقين الذين
ألقي القبض عليهم أبان الأحداث، وقلة
قليلة من الذين أستثنوا من العفو العام
الذي أصدره صدام حسين في وقته.. المهم
سيطرت القوات الأمريكية على السجن فأصبح
مركزاً للطائرات العسكرية (الهيلوكوبتر)
فبعد أن عززوا مواقعهم فيه، كان شبه
استقرار لهم، وبعد توالي الأحداث
وتسارعها وسقوط بغداد، بدء الوضع يستقر
شيئاً فشيئاً عاد سجن أبي غريب ولكن ليكون
معتقلاً وليس سجناً أو دائرة إصلاح الكبار
كما كان في السابق.
مواطن آخر ارتسمت على محايه ابتسامة
ساخرة بدأ بها قبل أن يبدأ حديثه، حيث قال:
إن هناك جدارية كبيرة لصدام حسين يشاهدها
كل من يمر من أمام السجن أزيل صدام حسين
عنها وطليت باللون الأبيض وكتب عليها
عبارة باللون الأحمر باللغتين العربية
والأنكليزية [أمريكا صديقة كل الشعب
العراقي] فكان مصيرها أن استهدفت بـ(القاذفات)
مما حدا بالقوات الأمريكية إلى إزالتها
كما أزالت صدام حسين فكانت هذه البداية.
خيم
الاعتقال .. والحد الفاصل
أحد المعتقلين الذين أطلق سراحهم من
سجن أبي غريب أو بالأحرى أحد الناجين من
معتقل أبي غريب حدثنا قائلاً: أعتقلت من
قبل القوات الأمريكية لأسباب لا أريد أن
أفصح عنها ولكنني أود أن أقول شيئاً حدث لي
وأنا هناك. فبعد أن أعتقلت وأوتي بي إلى
سجن أبي غريب ومعي مجموعة لا بأس بها من
المعتقلين وضعنا في خيمة وكانت ملاصقة لها
مجموعة من الخيم وعليها حراسات من قبل
القوات الأمريكية تصل في بعض الأحيان إلى
أن تكون شبه هامشية، والحقيقة اننا كنا
نتعرض بمعدل شبه يومي إلى هجمات من أين؟؟
لا نعلم. فنكون نحن الحد الفاصل بين
المهاجمين من جهة وبين القوات الأمريكية
من جهة أخرى، وسقط عدد من القتلى والجرحى،
ففي الخيمة التي كنت معتقلاً فيها وفي أحد
الليالي تعرضنا إلى وابل من الرصاص
المتطاير علينا فسقط بيننا اخوان اثنان
فلقوا حتفهم وأصيب عدد منا بجراح خطيرة
فأيقنّا في تلك اللحظات بأننا وضعنا هنا
كسواتر لحماية القوات الأمريكية من تلك
الهجمات والدليل على ذلك توزيع الخيم بشكل
كبير بالجهة التي يتعرضون منها لهجمات
متكررة إضافة إلى انتشارها بشكل ساتر
وتمركز القوات الأمريكية بينها أو في
وسطها.
عوائل
المعتقلين وهاجس الخوف والخطر
وددنا اللقاء بعائلة فقدت أحد أبنائها
في سجن أبي غريب بعد أن كان معتقلاً هناك،
فكانت حياته ثمناً لحريته، فرفضت هذه
العائلة أن تعطينا أي معلومة لنتعرّف على
الكيفية التي قتل فيها إبنهم لأسباب معينة
بيّنوها لنا ولم تكن مقنعة إلى حدٍ ما! أحد
أقارب هذه العائلة قال لنا: بأن هذه
العائلة تمتلك ثروة كبيرة، فلدى اعتقال
ابنهم حصل ما حصل فلقي حتفه في السجن جراء
مواجهة فجاءوا ليأخذوا جثة ابنهم إلا أن
المسؤولين الأمريكان رفضوا تسليم الجثة
إلا بمقابل مادي بعد أن عرفوا بأن هذه
العائلة تمتلك ثروة طائلة.
مواطن إلتقينا به أثناء تجوالنا
لتكملة هذا التحقيق فكان رجلاً من أهالي
محافظة صلاح الدين عاجزاً عن المشي إلا
بالكرسي المتحرك الذي يدفعه ابنه، بيّن
لنا عندما سمع بتعرض المعتقلين في سجن أبي
غريب إلى القتل والإصابة على يد من لايعرف!!..
المهم أن ابنه ومعه أبناء خاله معتقلين في
سجن أبي غريب وهم في خطر فجاء لكي يستفسر
عن حالهم.
|

|
عمليات
شبه يومية تستهدف القوات الأمريكية في
سجن أبي غريب |
احتجزوا
العمال المساكين ظناً منهم.. بأن لهم..
ذكر لنا أحد الأشخاص أن مسطر للعمال في
(حي العامل) يتردد عليه دائماً مقاول عراقي
يجتبي منه العمال لإتمام مقاولته في ترميم
سجن أبي غريب، فكانت فرصة لي للإنخراط مع
هؤلاء العمال فأرى الصورة بعين اليقين من
داخل السجن وأنا بصفتي (عامل) وليس (صحفي)
إلا أن الحظ لم يحالفني طيلة الثلاثة أيام
التي قررت فيها أن أكون (عاملاً) ولكن هذا
لم يثبط من عزيمتي ففي اليوم الرابع اقترب
مني شاب وسألني: من أين؟ وإنه لايعرفني،
وبما أن العمل أصبح في شبه المستحيل
ارتضيت أن أدخل في حوار مع هذا الشاب فكان
حواراً غريباً ومفيداً لإيراده في هذا
التحقيق.. حيث ذكر بأنه ابتعد عن العمل في
تلك الأماكن لما حصل له في سجن أبي غريب
عندما أخذهم أحد المقاولين في أحد الأيام
للعمل داخل السجن، فما أن بدأ العمل
واقترب الوقت من منتصف النهار والأمور
تسير بوضعها الطبيعي إلا أن حساسية المكان
ورهبته كانت الشغل الشاغل في تفكير ذلك
الشاب، كأنما يترقب كارثة ستحل عليه، هذا
ما أخبره به قلبه المقبوض على حد قوله،
فصدقت مخاوفه فتعالت أصوات الإنفجارات
والعيارات النارية مما حدا بالجميع إلى
أخذ وضع الإنبطاح وانتظار ما سيحصل.. فقال
بينما أنا منبطح أرضاً رفعت ناظري كي أرى
ما حصل فإذا بمجاميع تقفز من فوق سياج
السجن وتداهم القوات الأمريكية وتنكل بهم
وتعود إلى السياج مرة أخرى بانسحاب منظم
ونحن مبهورين مفجوعين لما حصل وبعد حوالي (ربع
ساعة) حلّقت طائرات (الهيليكوبتر)
العسكرية لتبحث عن هؤلاء المهاجمين ولكن
بلا جدوى، فعادوا إلينا نحن العمال
فاحتجزونا لمدة ثلاثة أيام بحجة أننا لنا
ضلع في هذه العملية الهجومية ضدّهم وبعد
أن اكتشفوا بأنا ليس لدينا صلة بذلك
أطلقوا سراحنا.. وعندها توقف ذلك الشاب
ليبلع ريقه وقال: لهذا لن أعمل في تلك
الأماكن والأجدر بك أن تعدل عن عمل كهذا كي
لاتتعرض لما تعرضت له أنا..
وتبقى
المعادلة التي أشرنا لها بالبداية وهي.. هل
بقي سجن أبي غريب سجناً بمعناه الحقيقي
والقانوني أم معتقلاً بمعناه الحقيقي
والقانوني أم كلاهما.. وإن حصل وكان أي
منهما أو كلاهما.,. هل يعقل أن يقتل السجناء
أو المعتقلون، وفق أي مبدأ يحدث هذا وأي
شرعية!!؟ أأصبح الفرد العراقي رخيصاً لهذه
الدرجة؟ ليكون ساتراً أو درعاً بشرياً
لحماية من جاء يحرره ويرسي دعائم
الديمقراطية والحرية والعدل كما يزعمون!!؟.
|

|
أصبح سجن
أبي غريب معتقلاً بمعناه الحقيقي و
القانوني |
|