|
مشكلة
المرأة
الحلقة الأولى
|
د.
محمد أمين بكري الكبيسي
استاذ
التفسير/ كلية العلوم الاسلامية
هذه بداية في الحديث إلى الناس عامة عن
طريق هذه الجريدة المباركة، وأرجو أن أكون
موفقاً فيما أرمي إليه من وقفات أطمح أن
تكون نافعة على بعض آيات الكتاب العزيز.
وأكتفي بآية في هذا اللقاء الأول لأتخذ من
بعضها موضوعاً لحديثي الأول أعني قوله
سبحانه وتعالى: }يا أيها الناس اتقوا ربكم
الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها
وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا
الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله
كان عليكم رقيبا{ .
البعض الذي أريد الوقوف عنده قوله
سبحانه (ونساء) وإنما كان هذا موضعي لأني
وجدت منه وتراً تعزف عليه كل الأصابع فلا
بأس أن أجعل لنفسي منه نصيباً إن رأى
القارئ الكريم أن يحشرني في زمرة العازفين.
يمكن أن أقول غير مفنّد: أن أول ما ظهرت
مشكلة المرأة بعد أن أصبح الفكر الرأسمالي
ومعتقوه يمثلان حضوراً بيناً في
المجتمعات الأوربية وتمكن صاحب رأس المال
أن يفرض الحياة البرجوازية الجديدة على
المجتمع الأوربي بعد أن أفلح في إقصاء
الكنيسة والملك الإقطاعي عن سدّة القيادة
ليحل هو محلهم. وهو حلول أورث مشاكل في تلك
المجتمعات يرتبط بعضها ببعض فكانت مشكلة
العمال وقد حاول أصحاب رؤوس الأموال حلّها
بطريقتين:
أحدهما:
إيجابي يتمثل بالنقابات وصناديق الضمان
الإجتماعي والرعاية الصحية.. ألخ. والآخر
سلبي عن طريق إيجاد منافس للعامل يستعمل
أداة ضغط عليه كما حول الخروج على رب العمل
بالأضراب والتظاهر.. ألخ.
فكانت دعوة المرأة إلى الخروج من ربقة
الزوج الذي يفرض إرادته عليها بحكم أنه
سبيل معاشها الأول، والحق أن هذا التسبيب
طرحته الوجودية المشهورة (سام ريت موم) على
النساء حينما أردن منها أن تقودهنَّ
للتظاهر مطالبات بحقوق المرأة، فأوضحت
لهنَّ في خطابٍ مشهور أن هذه الخطة القذرة
من تدبير أصحاب رؤوس الأموال ليخرجوكنَّ
منافسات لأزواجكنَّ إذا تمردوا عليكنَّ.
والمستعمرون بحضارتهم الرأسمالية
التي يريدون فرضها على العالم يحسنون
استعمال أسلحتهم بعد تحويرها، فلتكن الآن
طريقةً للضغط على المسلمين بل على غير
الذين يدينون بالحضارة الرأسمالية من
الشعوب ليتنازلوا عما يؤمنون به وإذا لم
تكن وحدها فلتكن واحدة من الطرق الموظفة
في هذه الغاية. من أجل ذلك صحبت مناقشات
مشكلة المرأة كثرت الضغوط الموجهة إلى
العالم الإسلامي والمجتمع العربي خاصة.
ولكي تكون المسألة في ذهن القارئ
الكريم واضحة بالقدر الذي في ذهن كاتب هذه
السطور أرى أنه لابد من الوقوف عند الآتي:
1-
الحضارة:
الإنسان حيوان في كل الأعراف والنظم
وفي كل الأديان والأفكار، به ما بكل
الحيوانات من الحوائج العضوية والغرائز
وفيه ما فيها من دوافع الإشباع فهو ساعٍ
إلى إشباع دوافعه مثل غيره من مخلوقات
الله الحية. غير أن الذي خلقه ميزه بخصيصة
هي العقل وجعله عاجزاً كل العجز عن اشباع
أي دافع من دوافعه إلا بعد أن يجيز له عقله
استثمار لواقع الشبع ولو في لحظة الإشباع
مصداقاً لقوله صلى الله عليه و سلم
: )لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن). كأن
عقله نسي أو تناسى قضية الإيمان في اللحظة
التي أصدر فيها الإجازة لدافع الإشباع
الأمر الذي يعرض الإنسان بعد الإشباع إلى
وخزة الضمير أي الندم على ما كان مم يخالف
القاعدة العامة التي تحكم سلوك الإنسان
المسلم مثلاً. إن القاعدة العامة ناتجة عن
جملة من المفاهيم تركزت في ذهن الإنسان عن
الوقائع المشبعة، فإذا شاعت هذه القاعدة
في المجتمع بحيث صارت سلوكاً يضفي على
معتنقيها طبيعة خاصة في التعامل يميّزهم
عن بقية الناس، فهم يتميزون في سلوكهم وفي
أحكامهم وفي أخلاقهم صارت حتماً أن تسمى
حضارة وهي حينئذٍ وجهة نظر في الحياة.
2-
المجتمع:
جماعة إنسانية يسودهم نظام يمثل
قناعتهم وتربطهم مصالح مشتركة ويسودهم
عرف وخلق متميز فالذي يقضي بأن المجتمع
مجموعة أسر وإن الأسرة مجموعة أفراد مجانب
للصواب، لأن مجموع الأفراد لايعني
مجتمعاً إذا لم يربطهم رابط من النظام
والمصالح والخلق والعرف. بل قد يكون -وهذا
رأيي الشخصي- الإنسان الواحد مجتمعاً إذا
كان محكوماً بما أسلفت ولا أستطيع أن أفهم
السر الذي لأجله أهمل الله بابل وأوراً في
كتابه إلا مرة واحدة وهي أمة عظيمة لاتقل
عن الدول الكبرى في هذه الأيام فإذا
أغفلها أقام مقامها معادلاً موضوعياً وهو
فرد واحد ليس إلا }إن ابراهيم كان أمة{،
أليس من حقي أن أصرف معنى الأمة إلى ما
يتبادر إلى الذهن وأضرب الذكر صفحاً عما
قرر علماء التفسير من أن الأمة هنا بمعنى
الإمام والقدوة. وسر عدلي عما قرروا y
أن الإمامة جعل والأمة كينونة يقول الله
تعالى لإبراهيم u
في كتابه العزيز: }إني جاعلك للناس إماماً{
ويقول عنه: }إن ابراهيم كان أمة{… فماذا يا
ترى؟
3-
المرأة:
كانت المرأة موضوع نقاش في حضارات
سبقتنا حتى يقال أن الجيش الإسلامي يحاصر
القسطنطينية وأهلها يتنازعون أمر المرأة
أهي إنسان أم مخلوق آخر وماذا يمكن أن
يكون؟!.
والحضارة الغربية تقضي بأن المرأة
شريكة حياة الرجل ولم يضع الإسلام مفهوماً
في كتب الفقه لكلمة (مرأة) في حدود ما
اطلعت، لكنني وجدت الله يضع مفهوماً لها
وهي أنها النصف الثاني من الكينونة
الإنسانية كما توضح الآية التي نحن بصددها
فإذا كانت الحضارة في مفهوم الإسلام وجهة
النظر عن الحياة والمجتمع إنسان زائد نظام
على أن يكون النظام بمفهومه الواسع الذي
يشمل الأعراف والأخلاق والمصالح المشتركة
وإذا كانت المرأة نصف التكوين الإنساني
فإن الحضارة في المفهوم الرأسمالي قائمة
على النفعية والمجتمع عندهم مجموعة أسر
والمرأة شريكة الحياة أمكن التمييز بين
الفئتين. فالنفعية تجر إلى كثير من الأثرة
ومجموعة الأفراد تفترض المنادّة والشركة
يعوزها القاضي والمحامي فكانت مشكلة
المرأة في المجتمع الغربي وعندنا كما
يطردها الغربيون والمستغربون مع الرجل.
أما إذا كانت القاعدة الحضارية تقوم على
الحلال والحرام والمجتمع انسان زائد نام،
وهذه هي الحقيقة إذا ما أُخذ النظام
بالمعنى الواسع سالف الذكر لأن المظالم
التي نصبت على المرأة الشرقية متأتية من
جهة النظام لوجهه البشرية لا بوجهه الشرعي.
حيث نظر الفقيه وما أحسبه على كثير من حق
بأن المرأة فتنة وإن خروجها إثم وأن عملها
فسوق أصّل في نفس الرجل ما تسمعه على ألسنة
الخطباء الجهلة (رحم الله زماناً لاترى
فيه المرأة إلا ثلاث مرات، يوم ولادتها
ويوم عرسها ويوم تموت). ولقد كذبوا في
الأولى والثالثة وما أحسبهم صادقين في
الثانية، فلا تُعد امرأة يوم تولد ولا ترى
يوم تموت وإني في رؤيتها يوم تزف لفي ألف
شك، لكن إن صح وجود مثل ذلك الزمان أتراه
جديراً بالرحمة؟! أم باللعنة؟!. أترك هذا
للمنصف وأرجوا أن لاتضيق الصدور بما أقول
فهي خواطر يتبع بعضها بعضاً وقد يبرهن
التالي منها على صحة السالف.
 |