|
وأهمية الطابع الإلهي
للضمانات أو المبادىء التي خلقها وتتأسس
عليها أن المجتمع الخاضع للشريعة تخضع فيه
الدولة أيضاً بجميع سلطاتها ونظمها
وأجهزتها لهذه المبادىء، فلا تستطيع أن
تعطلها بتغيير الدستور والقوانين. إلا أن
هذه الصفة الإلهية هي للشريعة فقط وليس
للحكومة أو الدولة، وينتج عن ذلك أن
القداسة والخلود والثبات يكون صفة
للمبادىء التي قررتها الشريعة والضمانات
التي قدمتها، ولايجوز خلع هذه الصفة (الإلهية)
على الهيئات أو السلطات التي تنفذها، بل
إنها جميعاً هيئات وسلطات مدنية تنوب عن
الجماعة وتعمل باسمها وتلتزم هي أيضاً
بالخضوع لمبادىء الشريعة بما يعنيه ذلك من
عدم إمكان قيامهم بتغييرها أو تبديلها.
والحاكمية ليست مقيدة لسلطة
الدولة فقط، بل ولسلطة الأغلبية في النظام
الديمقراطي. ومن ثم فلا تستطيع الأغلبية
بما أوتيت من سلطات تنفيذية وتشريعية (أي
في المجالس التي تتكون بغرض التشريع) أن
تبدل في هذه الضمانات أو تزيد أو تنقص
منها، فالحاكمية تعني تقييد سلطة المشرع
الوضعي وحماية الأفراد والمجتمعات من
طغيان الحكام الذين يتخذون القوانين
وسيلة لفرض سلطانهم واستبدادهم، وهذا هو
معيار التفرقة بينها وبين ((سيادة القانون))
الذي يعني حماية الأفراد والمجتمع من
مخالفة مؤسسات الدولة وحكامها للقوانين
الوضعية التي أصدرتها السلطات المختصة في
الدولة، ولكن يبقى الباب مفتوحاً للحكام
أو الأغلبية لإصدار القوانين الوضعية
التي تغطي الإستبداد والطغيان بصورة
قانونية.
بعبارة أخرى فإن الفرق بين
سيادة الشريعة وسيادة القانون هو أن
المبدأ الأول تلتزم به السلطة التشريعية
الوضعية (كالبرلمان أو رئيس
الدولة أو أي هيئة أخرى خاضعة أو ممثلة
له) أما المبدأ الثاني فتلتزم به السلطة
التنفيذية ولا تلتزم به السلطة التشريعية
لأن وظيفتها هو صنع القوانين وتعديلها ولا
يعتبر هذا التعديل خروجاً عليه.
وكنتيجة لكون الدولة خاضعة
للشريعة تكون الصحة، صحة القوانين مقترنة
بمواطأة المبدأ الذي تتخذه الجماعة عقيدة
بصرف النظر عن جهة الإصدار، فلو أجرى أحد
الأفراد أو أحد صغار العمال تصرفاً
موافقاً للشريعة ومخالفاً لأمر الخليفة،
صح تصرف الفرد أو العامل ولم يعتد بما
أصدره أمير المؤمنين لأنه باطل لمخالفته
للشريعة.
ولايقتصر تقييد الحاكمية
لسلطات الدولة وسلطان الأغلبية بل يمتد
ليشمل جميع المجتهدين والاجتهادات
الفقهية مما يضفي على الضمانات التي تقر
حقوق الأمة وحريات الأفراد وتمنع
الاستبداد ثباتاً وقداسة تخضع لها جميع
الاجتهادات (في الفقه) كما تلتزم بها
الدولة وحكامها في السياسة.
وهكذا فإن النتيجة العملية
لمبدأ الحاكمية هي أن الأساس الذي يقوم
عليها نظام الحكم الإسلامي مستمد من مصدر
أعلى من الدولة ومهيمن عليها،فليست
الدولة الإسلامية أو الأغلبية فيها أو
مجتهديها أحرار في تقييد أو إلغاء
المبادىء الشرعية التي تحدد مقومات الحكم
الشرعي أو خصائصه أو أصوله، وإذا فعلت
إحدى الدول أو الحكومات أو أحد الأطراف
ذلك وهو ما يحدث من حين لآخر، فإن هذا
الطرف يخرج في نظر جمهور المسلمين عن حدود
الشرعية، ويلتزمون جميعاً أو من يملك
القدرة على ذلك بالسعي لتصحيح الوضع
المخالف للأحوال والمبادىء الشرعية.
كما أن إعمال مبدأ الحاكمية
يرفع من قيمة الأحكام المستمدة منها ويجعل
تنفيذ تلك الأحكام والالتزام بطاعتها
طاعة للخالق المعبود، وبذلك تصبح
للمبادىء الشرعية والضمانات التي تتأسس
عليها قداسة وحرمة تضمن الالتزام بها
وتعصم المؤمنين من الخروج عليها أو
مخالفتها لأن الوازع الديني والعقيدي هو
الذي يقوم بالدور الأول والأساسي لالتزام
الناس باحترام الشريعة والتزام أوامرها
ونواهيها التزاماً طوعياً.
بعبارة أخرى، فإن الضمانات -
ضمانات تقييد السلطة- في النوذج الإسلامي
لابد أن يتأسس على الوازع الديني
والعقيدي، وهذا يفرض منهجاً مختلفاً في
التعامل مع المشكلة السياسية، فلابد أن
نبدأ أولاً بإصلاح خلق الأفراد وسلوكهم
وعقيدتهم، ثم بعد ذلك نعدل النظم
والدساتير والقوانين لتضيف إلى الضمانات
الدينية والأخلاقية ضمانات دستورية،
فصلاح المجتمع واستقامة أفراده والتزامهم
المنهج الخلقي الكامل هو الذي يكفل أن
تحقق الضمانات فعاليتها، وأن تكون
القرارات أو الإجراءات المستمدة منها
عادلة وصالحة وراشدة. فالشورى على سبيل
المثال ليست مجرد ضمانة من ضمانات نظام
الحكم العادل، بل هي فوق ذلك أساس البناء
الاجتماعي للأمة،لأن نظام الحكم حتى ولو
قام على الشورى في اختبار الحكام لا يكون
له قيمة إذا كان الأفراد الذين يتولون هذا
الإختيار (الناخبون من أنفسهم) غير صالحين
لهذه المسؤولية وغير قادرين عليها ولا
يمكن ضمان ذلك إلا إذا توفر لدى أفراد
الأمة قدر كاف من الصلاح والاستقامة يزود
جمهورها وغالبيتها بالحد الأدنى من القيم
الخلقية والكفاءات والقدرات اللازمة
لإقامة العدل والإحسان أما إذا لم يتوفر
لدى أغلبية الأمة هذا القدر من الخلق
الصالح فإنها سوف تضع في المسؤولية من هو
على شاكلتها من حيث القصور والنقص
والانحراف أو العجز والفساد، ذلك أن
الشورى ليست إلا مرآة الأمة ترى فيها
صورتها وتبرز بها قدراتها وتجعل قراراتها
متناسقة مع ما يشبه حالها ويتناسب مع
مستواها العقيدي والخلقي والفكري.
إن فقه الشريعة لا يفصل
القانون العام عن المبادىء المتعلقة
بنظام المجتمع وعقيدته وقيمه الخلقية
والدينية التي تحكم علاقات الأفراد
ويتأسس منهجها على شحذ فعالية المبادىء
الخلقية والروحية في نفوس الناس مع إقامة
الرادع الذي يوفره القانون وقواعده
الملزمة، ولا يكتفي بأحدهما عن الآخر، ففي
التصور الإسلامي لاتكون ((المثالية))
بديلاً عن وجود الضوابط التي تحكم الفعل
البشري في سكناته وحركاته وحالات الضعف
البشري التي تعتريهم بسبب ما ركب في
جبلتهم من حب التسلط على الآخرين ((كلا إن
الانسان ليطغى))(العلق:6)، إلا أنه في نفس
الوقت لا يمكن أن تكون الأشكال التنظيمية
والقواعد الإجرائية بديلاً عن القيم فلا
يعني وجودها تحقق القيم في أرض الواقع ، بل
لابد من الاطمئنان إلى تحقيقها لهذه القيم
في الواقع السياسي ، ففي النظم العربية ،
على سبيل المثال، أصبح التنظيم بديلاً عن
مبدأ حرية الشورى بدلاً من أن يكون مكملاً
وضماناً لها.
|