|
السؤال// الجهة التي تدفع الزكاة إليها في وقتنا وظروفنا القائمة، وهل يجزيء تصرف المزكي بها بنفسه، ولو بالدفع إلى مصارفها المعتادة، وما مصرف في سبيل الله في أزماننا؟
الجواب// بسمه تعالـى
الحمد لله منزل الأحكام، وأصلي على رسوله الذي أبان الحلال والحرام، وعلى آله -وهم كلُّ تقي من أمته- وأصحابه الذين أزال عملهم للمطبق كل إبهام...
وبعد:
فقد وردت آية الزكاة ببيان مصارف الزكاة فقط، ولم تبين: شروطها، ولا شروط الدافع، ولا شروط المال، ولا التفصيلات الأخرى الكثيرة في هذا الباب. فكان للسنة المطهرة دون البيان والتوضيح، بل والتشريع لما سكت عنه القرآن. فإذا كانت آية الزكاة تقول:
*إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضةً من الله والله عليمٌ حكيم* [التوبة:60]. فهي لم تبين: من هو المسكين أو الفقير، ومن هو ابن السبيل، وما هو سبيل الله.. ألخ، ولم تبين الأموال التي تجب فيها الزكاة، ولا النصاب في كل نوعٍ.. ألخ، ولم تبين كيفية الدفع، وعن طريق من يكون ذلك.
لقد تكفلت السنة بكل ما تقدم بتفصيل دقيق، ولم يكن الخلاف في المسائل القابلة للإجتهاد في مسائل الزكاة كبيراً، والمهم هو عن طريق من يكون دفع الزكاة بحيث يكون مبرئاً للذمة؟. لقد كان بعض الناس يأتون إلى رسول الله
-صلى الله عليه و سلم- مباشرة، وذلك باعتباره ((ولياً لأمر المسلمين)) فضلاً عن نبوته، وولايته تلك
-صلى الله عليه و سلم- لها جهتان:
1.جهة الولاية العامة
السلطوية، باعتباره -صلى الله عليه و سلم-
رئيساً للدولة الإسلامية.
2.جهة الولاية العامة العلمية،
باعتباره -صلى الله عليه و سلم- أعلم
المسلمين على الإطلاق.
وكان بناءً على ما ذكر، يبعث [بالمصدِّقين] -وهم عماله على الزكاة- لجبايتها ممن لايسعهم الحضور إليه، ولعل قوله تعالى:
*خذ من أوالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها وصلِّ عليهم إن صلاتك سكنٌ لهم والله سميع عليم* [التوبة:103]. مما يؤكد كون جمعها منهم واجبٌ عليه وعليهم معاً، لأن [كلُّ خطابٍ للنبي خطابٌ لأمته إلا ما استثني]. فالأمر بالأخذ له، أمر بوجوب الإعطاء له
-صلى الله عليه و سلم-. وهكذا جرى عمل الخلفاء الأربعة الراشدين
-رضي الله عنه و ارضاه- إلا أن سيدنا عثمان -رضي الله عنه و أرضاه-
أوكل أمر دفع زكاة (الأموال الباطنة) إلى المكلفين، واكتفى بجباية زكاة الأموال الظاهرة، بسبب صعوبة متابعتها من جهة، واعتماداً على تقوى المسلمين الظاهرة في ذلك الزمان.. بل جرى كثيرٌ من الخلفاء التالين للراشدين على هذا المنوال.
ولقد نجم في أولياء أمر المسلمين ومنذ عهود بعيدة، ظهر فيهم التواني عن جمعها، وإن قاموا بذلك فلم يضعوها في مصارفها الشرعية.. ولهذا عدّ المسلمون ما يجمع من المتسلطين ولا يوضع في موضعه من المغارم التي تنزّل من الأصل باعتبارها مصاريف وليست زكاةً، ثم يستأنفون دفعها باسماء إلى اربابها. ولما يتصد العلماء لواجبهم الشرعي بجمعها ووضعها في مصارفها في تلك الأزمان، وذلك باعتبارها من أولياء الأمر على التوضيح الذي بينّاه، وبناءً على التفسير الأشهر لقوله تعالى:
*يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا* [النساء:59]. فنستطيع القول بإجزاء الدفع من المكلفين إلى المستحقين بسبب عدم توضيح الحكم من العلماء، وهو مما لا يتسنى معرفته لكل مسلم، بل لا يُعرف إلا بضرب اجتهادٍ وبالطريق الذي بينّاه ونبينه الآن.. وهو مما لايقع لكل أحد، ولكونهم أستندوا إلى فعل سيدنا عثمان
-رضي الله عنه و أرضاه- في الأموال الباطنة، فعمموه إلى الظاهرة، وإن كان لايتسنى لهم ذلك في هذه الظاهرة، وبموجب الأدلة التي نتعامل معها.. وهي ظاهرة.
وعلى ما تقدم ينبغي علينا القول بالآتي:
1. وجوب دفع الزكاة إلى العالم
العامل، والذي بلغ [مرتبة التخريج] في
مذهبه في الأقل، في مثل أزماننا.. وذلك: إذا
فقد وليُّ أمر المسلمين، أو وجد ولم يتصد
لجمعها، أو جمعها بغير اسمها، أو باسمها
ولم يضعها في مصارفها.
2.لايجزيء إخراج الزكاة من
المكلف مباشرةً، إلا إذا كان في بلدٍ ليس
فيه عالمٌ مستجمع للشروط، وليس له وكيلٌ
مخولٌ بقبضها وإيصالها إلى العالم
الموصوف في أعلاه.
3.يقيم العالم الموصوف وكلاء
عنه في جمعها، يتوخى في اختيارهم:
الديانة، والأمانة، ومعرفة الحكم الشرعي
على ما جرى بيانه، وأن يكون ممن يسهل وصوله
إلى الناس وتعليمهم الحكم، وسهولة وصولهم
إليه.. كأئمة المساجد والخطباء.
4.يأخذ [العاملون عليها] من
الخطباء والأئمة ما يكفيهم [مُهِمَهم
ورزقهم] بالمعروف من أموال الزكاة،
وبمعرفة العالم الموصوف الذي أنابه في
جمعها. على أنَّ حاله يكون فيها [كالقيِّم]
في مال اليتيم.. إن استغنى استعفف، وان
احتاج أخذ بالمعروف.
ولعل في اجماع الصحابة على فرض
ما يكفي خلفية المسلمين، وذلك بعد بيعة
سيّدنا أبي بكر -رضي الله عنه و أرضاه-
وباقتراح سيِّدنا عمر بن الخطاب -رضي الله
عنه و أرضاه- ، حين فرضوا له ما يكفيه
وعياله بالمعروف، لأحتباسه لأمور
المسلمين. ويستطيع الخطباء أخذ ما يكفيهم
منها بهذا الإعتبار، فهم تركوا: الأسواق،
والحقول، والمصانع.. لأربابها، وانصرفوا
منقطعين للعلم وطلبه وتعلمه وتعليمه
للناس، ولو انصرفوا إلى أمر المعيشة لوقع
الناس في حرجٍ شديد، لفقدان من يقوم بواجب
نشر العلم الديني فيهم. على هذا يستحقون ما
يستحقونه منها -على ما بينّاه- من جهتين:
الأولى/ من جهة كونهم من
العالمين عليها.
الثانية/ من جهة كونهم من
المحتبسين عن طلب الرزق للنفرة لطلب
العلم، وتعليمه، يقول تعالى: *وما كان
المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل
فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين
ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم
يحذرون* [التوبة:122].
5.ونحن نأخذ برأي من يجعل مصرف [في
سبيل الله] هو الصرف في كل سبيل، فيعم:
فضلاً عن الجهاد، إنشاء المدارس،
والإنفاق عليها وعلى الطلاب والمدرسين
فيها، وطبع الكتب الإسلامية، وإرسال
الدعاة إلى الآفاق، وإقامة المناسبات
الدعوية، إلى آخر ما يستجد من حاجات دينية
وإسلامية دعوية وعلمية وغيرها.. وعلى من
أراد التبسط في الموضوع وأدلته، فليرجع
إلى رسالتنا [مصرف في سبيل الله وإنشاء
البنوك الإسلامية].. وهو بحث اعتمد المجمع
الفقهي الهندي الذي انتسب إليه بالعضوية.
6.ويجوز تنمية مال الزكاة
بأنواع: التجارات، وانشاء المصانع،
وإقامة المصارف الإسلامية، والمشاركة مع
محتاجٍ ليعمل ويعطي ربح حصة الزكاة مع
الاحتفاظ بحصتها من الأصل.. وفي هذه
الفوائد ما لا يخفى:
أولاً./ ابقاء الأصل دون اهلاكه
او استهلاكه دفعةً واحدةً.
ثانياً/ لانقف عند بقائه، بل
نتعداه إلى تنميته، ويأخذ النامي
بالإنماء حكم الأصل، أسوةً بالنماء
الحاصل بنفسه.. كسمن الدابة، أو زيادة قيمة
النقود.. ألخ.
ثالثاً/ تشغيل الأيادي العاطلة
المسلمة.
رابعاً/ خلق قوة اقتصادية
شديدة القوة، مع استمرار المورد المانع من
النضوب، وإمكان تحمل الخسارات.. وبذلك
نزاحم أهل الكفر في سطوتهم المالية والتي
جرَّ إلى أكثر من سطوة -كما لايخفى على ذي
لبٍ-.
وخلاصة الحال/
1-نستطيع في مثل ظروفنا فعل
الكثير، نظراً لتشعب الحاجات، ونزول
البلاء في البلاد، وتوارد المحن.. ولا يشك
عاقلٌ أن [المال عصب الحياة] وكل فعلٍ من
الأفعال.
2-وهو المهم [نحرّض] الأئمة
والخطباء -كما أمر القرآن الرسول بتحريض
المؤمنين على القتال- على :الإعتماد على
موارد الزكاة في معايشهم، وتعمير
مساجدهم، والتحرر من سطوة موظفي الأوقاف
الذين يكثر فيهم: الفساق، والمخالفون في
العقيدة، والذين في قلوبهم مرض إذلال أهل
العلم.
واعلموا أن هذه الذلة
الأوقافية قديمة، يقول المرحوم المبرور
العلاّمة الشيخ عبد الملك الشواف -في مطلع
القرن العشرين- مخاطباً السلطان العثماني:
قل لأمير المؤمنين الذي
قد عمّنا بالفضل واللطف
درهمه أضحى وديناره
في سوق بغداد لدى الصرف
أذل من طالب علمٍ أتى
لحاجةٍ دائرة الوقف
وهو بذلك يعرض الليرة الورقية
الإلزامية، والتي أنحطت إلى أسفل
الدركات، حتى ان الناس يتخلصون منها
ويحتفظون بالذهبيات، فما أشبه غدنا
بيومنا في فئة الآلاف من العشرات؟!.
والله يقول الحق ويهدي إلى
سواء السبيل.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين.
|