|
هناك
وجه من وجوه الإعجاز القرآني جدير
بالدراسة وهو موضوع بالغ الدقة والروعة
واعني به الاعجاز في اصول التلاوة
والتجويد، فيما يتعلق بهذا العلم من احكام
كالمد والادغام والإمالة والاشباع
والاختلاس وما إلى ذلك. وقد عزف أكثر
الباحثين عن الولوج في هذا الموضوع والسبب
فيما أرى هو قلة المصادر التي تحدثت عنه،
كما ان هذا الموضوع يحتاج إلى جهد ذاتي
خالص وثقافة عالية في اللغة وعلوم القرآن
وذوق رفيع، واحساس مرهف بمواطن الكلام
وأسراره.
وها
أنا ذا أقدم بعض الأمثلة التي توضح ما نحن
بصدده وتفتح الطريق لمن يريد التوسع فيه.
1- من أنواع المد ما يسمى بـ(مد
المبالغة) أو (مد التعظيم) وهو المد الذي
يجري لغرض معنوي بقصد المبالغة في النفي،
وهو معروف عند العرب، بل هو سبب قوي للمد
وان كان بعرف القراء أضعف قوة من السبب
اللفظي، وتستعمل العرب هذا المد عند
الدعاء والاستغاثة وعند مبالغة التأكيد
في نفي أمر ما، فيمدون ما لا أصل له في المد
لهذا السبب ومن امثلته: (لا إله إلا الله -
لا إكراه في الدين - لا إثم عليه - لا ريب
فيه - لاشية فيها - لا مرد له - لا جرم) وقد
استحب العلماء المحققون مد الصوت بـ(لا
إله إلا الله) لما فيه من التعظيم والتدبر [أنظر
النشر 245/1 لابن الجزري والنطق بالقرآن
العظيم للدكتور ضياء الدين الجماس 346/1].
وقد
وجدنا شيئاً من ذلك عند سماعنا بعض خطباء
الجمعة وهم يرفعون اصواتهم ويمدون لفظ (لا
إله إلا الله) لهذا الغرض.
2- في قوله تعالى: *فيه هدى
للمتقين* في أول سورة البقرة، يقرأ ابن
كثير باشباع كسرة الهاء حتى يتولد منها
ياء من قوله (فيهي) وهو ما يدعى بمد
الصلة، فانظر ما أجمل هذا المد الذي يعبر
عن كثرة ما في هذا القرآن من أحكام ومعانٍ
تتعلق بسائر أنماط الحياة [النطق باقرآن
العظيم 360/1]. وكذلك ما جاء في سورة الفرقان *
ويخلد فيه مهانا* باشباع مد الهاء (فيهي)
على قراءة حفص وابن كثير، فان الهاء في (فيه)
تمد مدة صلة للتعبير عن انغماس هذا الآثم
في النار وهو تعبير صوتي القائي أريد به
تجسيد المعنى العقابي الذي يستحقه. [ينظر
قواعد التجويد والإلقاء الصوتي للشيخ
جلال الحنفي 82].
3- وفي قوله تعالى: *قال الذين
يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة* [البقرة:249]،
وهو قول المؤمنين من طالوت عندما تجهزوا
للإستشهاد فانظر الحكمة في اختيار لفظ
الجلالة (الله) بعد كلمة (ملاقوا) والتي في
نهايتها حرف مدي، فلوا أختار الشارع كلمة (إلههم)
مثلاً لجاز المد، ولكن الحال يقتضي قصر
المدة، ولا حجب بين الشهيد وربه وهو
يلاقيه بمجرد الاستشهاد، واللقاء باسم
الله الأعظم (الله) الشامل لكل الأسماء،
وهذا الأسم من الواجهة اللفظية يبدأ بساكن
ممال يدعوا إلى اسقاط الحرف المدي وصلاً
معبراً عن أنتفاء الحجب ودون تأخير بين
الاستشهاد واللقاء والله أعلم. [ينظر
النطق بالقرآن العظيم 360/1].
|