|
ثانياً: الفطرة
الفطرة تجب بدخول رمضان والافطار منه على كل مسلم ومسلمة سواء كان صائماً أم مفطراً لأنها مكرمة الاسلام للفقراء في يوم عيد المسلمين لقوله
- صلى الله عليه و سلم -: ((أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم)) أي يوم عيد الفطر وهي جزء لا يتجزأ من النظام الاقتصادي الاسلامي لرفع مستوى العيش للفقير في يوم من أيام السنة، ويدفعها المزكي عنه وعن أبنائه وبناته وعن زوجته على خلاف فيها، وتدفع عمن ولد قبل غروب الشمس في آخر يوم من رمضان، ولو دفعها عن أبنائه وبناته الكبار والبالغين وزوجاتهم وابنائهم أجزأت عنهم إن كان بأذنهم وهو مثاب على ذلك. ولا يجب دفعها عن الضيوف إلا تبرعاً وبأذنهم ولا تدفع عن الحيوانات، ويجب دفعها قبل صلاة عيد الفطر فإن لم يدفعها قبل الصلاة دفعها بعدها، ويجوز دفعها في رمضان وهو الأوفق ليستفيد منها الفقير في شراء لوازمه قبل يوم العيد.
على من تجب الفطرة؟
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنها تجب على من كان عنده فضل قوته وقوت عياله يوم عيد الفطر فيدفع الفاضل عنها، وأستدلوا على ذلك بما روى البيهقي والامام أحمد عن أبي ثعلبة عن أبيه أن رسول الله
- صلى الله عليه و سلم - قال: ((أدوا صاعاً من قمح كل أنسان ذكر أو أنثى صغيراً أو كبيراً غنياً أو فقيراً أو مملوكاً. أما الغني فيزكيه الله، وأما الفقير فيرد عليه أكثر مما أعطى)). وجه الاستدلال به أن قوله غنياً أو فقيراً يدل على وجوبها على الفقير ايضاً ولا يكلف أن يدفع قوت عياله بل يدفع الزائد عنه. ولأنها صدقة شرعت لطهرة الصيام من اللغو والرفث وهذا يستوي فيه الفقير والغني. وذهب الحنفية إلا أنها لاتجب إلا على الغني وهو يملك نصاباً من أنصبة الزكاة، أما من لا يملك ذلك بأن كان مورده كفافاً أو لايكفيه فإنها لا تجب عليه لقوله
- صلى الله عليه و سلم -: ((إنما الصدقة عن ظهر غني)) وقوله: ((المرء أحق بكسبه)) فكلمة الصدقة بعمومها شمل الفطرة وغيرها. وأحاديث دفع الفطرة التي جاءت عامة في الغني والفقير يخصصها مثل هذه الأحاديث.
ورأى الحنفية أولى بالافتاء في مثل هذه الظروف وهو ما أرجحه لما يأتي:
1- الحديث الذي أستدل به
الجمهور ضعفه الامام أحمد لأن فيه نعمان
بن راشد قال المنذري في مختصر السنن
لايحتج بحديثه وان أبن أبي ثعلبة مجهول.
2- ولو صحَّ فإنه لا يقاوم في
الصحة ما روي من الاحاديث التي بينت من
يدفع الصدقة والتي ذكرناها آنفاً.
3- ولو نظرنا إلى لفظ الحديث
الذي استدل به الجمهور لرأينا أن لفظ (غنياً
أو فقيراً) يراد به المدفوع عنه لا الدافع
فإن الدافع قد توجهت إليه لفظة (أدوا)
فيصير معنى الحديث أدوا أيها الأغنياء
صدقة الفطر عن الصغير والكبير والغني
والفقير من عيالكم الملزمين بالانفاق
عليهم، أي أدفعها عن ولدك الغني والفقير
على حد سواء ولا يراد به المؤدي لما ذكرنا،
أما قولهم بأنها تدفع طهرة للصيام وهذا
يستوي فيه الفقير والغني، فنقول هذا منقوض
بأنها كما تدفع عن الصائم تدفع عن المفطر
وكما تدفع عمن يجب عليه الصوم تدفع عمن لا
يجب عليه كالصغير والمجنون على حد سواء،
لكنها إن دفعت عن الصائم أستفاد منها حكمة
أخرى وهي تطهير صومه مما ذكر.
4- إن القول بدفعها من الفقراء
يتنافى مع مشروعية الصدقة إذ هي شرعت
لتحقق التكافل الاجتماعي وليساعد الغني
الفقير، فدفعها من قبل الفقير يتنافى مع
حكمة التشريع. أما القول بأن الفقيرين
يدفع كل منهما صدقته للآخر وهي عودة مثل ما
أنفق إليه وبالتالي فكأنه لم يؤدها.
نوع ما يؤدي
فضل بعض الفقهاء دفع التمر
كالامام أحمد ومالك، وبعضهم فضل غالب قوت
البلد كالشافعية وبعضهم أعطى الخيار في
الدفع للمزكي كالحنفية.
مقدار ما يؤدي
ذهب بعض الفقهاء إلى أن الواجب
دفعه هو صاع بصاع النبي - صلى الله عليه و
سلم - وهو خمسة أرطال وثلث الرطل 130درهم ×5=
650درهم + الثلث 144درهم =794 درهماً مضروب
الدرهم في 3غرام و33% من الغرام، فيساوي 2.55غرام،
واستدلوا على هذا بما روى أبو سعيد الخدري
قال: كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول
الله - صلى الله عليه و سلم - صاعاً من شعير
أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب أو صاعاً
من أقط. وذهب الحنفية إلى أنه يجب صاع من
تمر أو شعير ونصف صاع من بر أو أرز أو زبيب
أو قيمة ذلك عن كل نفر، استدلوا بما روي عن
سعيد ابن المسيب أنه كان يقول: ((كانت
الصدقة تدفع على عهد رسول الله - صلى الله
عليه و سلم - وأبي بكر نصف صاع من بر أو صاع
من تمر أو شعير)). ومقدار الصاع عند أبي
حنيفة ومحمد هو صاع سيدنا عمر -رضي الله
عنه و ارضاه - الذي ذكرناه سابقاً في
الفدية وهو مذهب جماعة من الصحابة منهم
الخلفاء الراشدون - رضي الله عنهم -
، والذي نراه الأخذ بهذا اليوم لأشتماله
على التخيير بين الصاع نفسه.
|