|
الحمد
لله الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم
يعلم والصلاة والسلام على رسوله الأكرم
وعلى آله وصحبه وسلم.. أما بعد:
فهذه
فوائد تتعلق بثبوت هلال رمضان المبارك في
العراق لهذا العام والآثار المترتبة على
ذلك.
1- من هو ولي أمر ألمسلمين في
بلدنا؟
يقول
الله تعالى: )وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول
وأولي الأمر منكم(، ذهب عطاء وغيره إلى أن
طاعة الله ورسوله هي بأتباع الكتاب والسنة
(تفسير الطبري 147/5).
وإذا
كان المفسرون قد أتفقوا على طاعة الله
ورسوله فإنهم أختلفوا في تفسير أولي الأمر
في هذه الأية إلى أقوال أشهرها:
- هم الأمراء والسلاطين قاله
ابو هريرة وابن عباس في رواية وزيد بن اسلم
والسدى ومقاتل (تفسير الطبري 148/5، وزاد
المسير 116/2) واختاره الطبري.
- هم أهل العلم والفقه (أي
العلماء والفقهاء) وقاله ابن عباس وجابر
ومجاهد والحسن وأبو العالية وعطاء
والنخعي والضحاك ومالك (القرطبي 259/5، وزاد
المسير 117/2).
- وقال ابن كيسان هم أولو العقل
والرأي الذين يتدبرون أمر الناس (القرطبي
260/5) ولعدم وجود حاكم شرعي في العراق أو
سلطة معتبرة أو من يمثلها، لذا آل الأمر
إلى العلماء والفقهاء، فأصبحت لهم سلطة
معتبرة وذلك لأنها تمثل الرؤية الشرعية
والمرجعية الدينية كما أنها تنال ثقة
وتقدير الناس لها أيضاً أنها قامت بما
القى على كاهلها من مسؤوليات؛ لأنها عملت
جاهدة على عدم الانضواء تحت تأثير القوات
المحتلة. وهنالك هيئات وجمعيات اسلامية
عدة لعل أبرزها هيئة علماء المسلمين مع
التقدير لباقي الهيئات والجمعيات.
2- بم يثبت هلال رمضان؟
يثبت
هلال شهر رمضان بأحد أمرين:
الأول: رؤية الهلال ولو من شخص
واحد عدل. عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال:
((ترآى الناس الهلال فأخبرت رسول الله -صلى الله عليه و سلم-
أني رايته. فصام وامر الناس بصيامه)) [رواه
ابو داود].
وعن
ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ((جاء إعرابي
إلى رسول الله -صلى الله عليه و سلم-
فقال: إني رأيت هلال رمضان، فقال: أتشهد أن
لا إله إلا الله، قال: نعم، قال: تشهد أن
محمداً رسول الله، فقال: نعم، قال يابلال:
أذن في الناس فليصوموا غداً)) [رواه اصحاب
السنن].
وعن
أمير مكة الحارث بن حاطب قال: ((عهد إلينا
رسول الله -صلى الله عليه و سلم-
أن
ننسك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهد عدل
نسكنا بشهادته)) [رواه أحمد وأبو داود].
قال
الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل
العلم، قالوا تقبل شهادة رجل واحد في
الصيام وبه يقول ابن المبارك والشافعي
وأحمد.
واشترط
الأحناف لإثبات هلال رمضان رؤية جمع عظيم
إذا كانت السماء صحواً وتكفي رؤية العدل
الواحد في حالة الغيم ونحوه [رسائل ابن
عباس 253/1].
وعند
المالكية لابد من رؤية عدلين فأكثر وتكفي
رؤية عدل واحد في حق نفسه [القوانين
الفقهية 115].
وتكفي
رؤية عدل واحد عند الشافعية والحنابلة [مغني
المحتاج 421/1، المغني 158/3] وقال النووي وهذا
هو الصحيح [المجموع 275/6].
ولا
يعتمد على ما يخبر به أهل المقيات والحساب
لأنه وإن صح الحساب أو الرصد فلسنا مكلفين
شرعاً إلا بالرؤية العادية فالعمل
بالمراصد الفلكية وإن كانت صحيحة لايجوز
ولا يطلب شرعاً لما فيه من التكلف وهذا هو
قول جمهور الفقهاء. واجاز بعضهم ذلك ومنهم
ابن سريج والقفال والقاضي وابو الطيب [المجموع
280/6]. وجاء في قرارات مجمع الفقه الاسلامي
لسنة 1407هـ وجوب الاعتماد على الرؤية
ويستعان بالحساب الفلكي والمراصد مراعاة
للاحاديث النبوية والحقائق العلمية.
ثانياً: إكمال العدة، فإن لم
يثبت بالرؤية فلا بد من اكمال العدة لقوله -صلى الله عليه و سلم-:
((صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غُمَّ
عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً)) [رواه
البخاري ومسلم[.
3- إختلاف المطالع:
عن
كريب قال: ((قدمت الشام واستهل عليَّ هلال
رمضان وانا بالشام فرأيت الهلال ليلة
الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر
فسألني ابن عباس -ثم ذكر الهلال- فقال: متى
رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة.
فقال: أنت رايته؟، فقلت: نعم ورآه الناس،
وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه
ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل
ثلاثين أو نراه. فقلت: ألا تكتفي برؤية
معاوية وصيامه، فقال: لا. هكذا امرنا رسول
الله -صلى الله عليه و سلم-)) [رواه
مسلم].
وقد
أختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى اقوال
اشهرها:
- قول الجمهور من الحنفية
والمالكية والحنابلة وهو أن الصوم يوحد
بين المسلمين ولا عبرة باختلاف المطالع
فيلزم أهل المشرق برؤية اهل المغرب.
وإذا
رُئي الهلال عم الصوم سائر البلاد قريباً
وبعيداً ولا يراعي في ذلك مسافة قصر ولا
اتفاق المطالع أو عدمها [ابن عابدين 131/2،
القوانين الفقهية 116، كشاف القناع 353/2]،
وقال به أيضاً بعض الشافعية [المجموع 273/6]،
وقد استدلوا بما ثبت في الصحيحين قوله -صلى الله عليه و سلم-:
((صوموا لرؤيته وافطروا
لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان
ثلاثين))، فهو يدل على أن
ايجاب الصوم على كل المسلمين معلق
بمطلق الرؤية، والمطلق يجري على اطلاقه،
فقد تكفي رؤية الجماعة أو الفرد المقبول
الشهادة.
- يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم ولا
يلزمهم رؤية غيرهم حكاه ابن المنذر عن
عكرمة والقاسم وسالم واسحاق. وقال الترمذي:
والعمل على هذا الحديث (حديث كريب) عند أهل
العلم، أن لكل بلد رؤيتهم، وحكاه الماوردي
وجهاً للشافعية.
- يلزم أهل بلد رؤية غيرهم، إذا
ثبت ذلك عند الامام الأعظم، فلزم الناس
كلهم لأن البلاد في حقة كالبد الواحد إذ
حكمه نافذ في الجميع، قاله بان المامبشون [نيل
الأوطان 219/4].
- ان تقاربت البلاد كان الحكم
واحداً وان تباعدت فوجهان ولا يجب عند
الاكثرية قاله بعض الشافعية واختار ابو
الطيب وطائفة الوجوب وحكاه المبغوي عن
الشافعي [فتح الباري 155/4].
وفي
فتح العلام شرح بلوغ المرام: القرب لزوم
أهل بلد الرؤية وما يتصل بها من الجهات
التي على سمتها.
ونصر
الامام الشوئاني قول الجمهور موضحاً حديث
كريب قائلاً: (ان الجهة إنما هي في الموضوع
من رواية ابن عباس لا في اجتهاده الذي فهمه
عند الناس والمشار إليه بقوله هكذا أمرنا
رسول الله -صلى الله عليه و سلم-
بقوله: فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين. وهو
ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ لا تصوموا
حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن
غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين.. وهذا لا
يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد بل هو
خطاب لكل من يصلح له من المسلمين
فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد
لغيرهم من اهل البلاد اظهر من الاستدلال
به على عدم اللزوم لأنه إذا رآه أهل بلد
رآه المسلمون فيلم غيرهم ما يلزمهم، واضاف:
والذي يبنغي اعتماده.. أنه إذا رآه أهل بلد
لزم أهل البلاد كلها) [نيل الاوطار 220/4].
والعلوم
الفلكية تؤيد توحيد أول الشهر الشرعي بين
الحكومات الاسلامية، لأن أقصى مدة بين
مطلع القمر في اقصى بلد غسلامي وبين مطلعه
في أقصى بلد غسلامي آخر هو نحو 9 ساعات
فتكون بلاد الاسلام كلها مشتركة في أجزاء
من الليل تمكنها من الصيام عند ثبوت
الرؤية والتبليغ بها برقياً أو هاتفياً. [الفقه
الاسلامي 1662/3] وهذا الأمر دفع مجمع الفقه
الاسلامي 1407هـ أن يقرر: (إذا ثبتت الرؤية
في بد وجب على المسلمين الالتزام بها ولا
عبرة لاختلاف المطالع لعموم الخطاب
بالأمر بالصوم والافطار).
ومما
سبق نتوصل أن ما أعلنته هيئة علماء
المسلمين في العراق من ان يوم الأحد يعد
أول أيام رمضان هو ملزم لأهل العراق، وذلك
من أوجه الثبوت كلها فأما من حيث ثبوت
الرية فقد صرحت الهيئة ببيانها الصادر
ثبوت الرؤية من قبل بعض أهل العراق وفي
أكثر من محافظة، وإذا خالف ذلك بعض الجهات
العلمية الأخرى في العراق فإن القاعدة
الأصولية تقول من علم حجة على من لم يعلم
أي من ثبتت عنده الرؤية حجة على من لم تثبت
عنده وكذلك ثبتت الرؤية لبلدن أخرى مجاورة
للعراق (منها الأردن).
ومما
يقوي بيان هيئة علماء المسلمين الذي صدر
بعد عمل دؤوب تم تهيئة جميع سبل أتقانه من
حث المسلمين على تحري الرؤية ووضع مقر
لأستقبال ذلك واعلان عن هواتف لأستقبال
الشهادات.. مما يقوي موقف الهيئة أن ديوان
الوقف السني المشك حديثاً اصدر كتاباً
رسمياً ثبت فيه أن الجهة المخولة بترقب
هلال رمضان هي هيئة علماء المسلمين فقط.
4- تبييت نية الصوم.
عن
حفصة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه و سلم-
أنه قال: ((من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا
صيام له)) [رواه أصحاب السنن].
ذهب
جمهور الفقهاء إلى وجوب تبييت النية
وايقاعها في جزء من الليل، في حين ذهب
الاحناف إلى أنه لايشترط تبييت النية
وتعيينها فيما يتعلق بزمان بعينه كصوم
رمضان والنذر المعين بزمانه والنفل كله
فهذا يصح بنية الليل إلى ما قبل نصف النهار
على الأصح، لما روي عن علي وابن مسعود -رضي
الله عنهما- والنخعي أنه لايجب التبييت
إلا في صوم القضاء والنذر المطلق
والكفارات وان وقت النية في غير هذه من
غروب الشمس يوم الاول إلى بقية من نهار
اليوم الذي صامه. [نيل الاوطار 221/4].
وبحديث
سلمة بن الأكوع t
قال: أمر النبي -صلى الله عليه و سلم-
رجلاً من اسلم أن أذن في الناس أن من كان
أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم
فإن اليوم يوم عاشورا) [رواه البخاري].
يقول
الشوكاني: فيخص الجواز بمثل هذه الصورة
أعني من ظهر له وجوب الصيام عليه من النهار
كالمجنون يفيق والصبي يحتلم والكافر يسلم
وكمن أنكشف له في النهار أن ذلك اليوم من
رمضان.
واضاف
فيصلح الحديث للاستدلال به على عدم صحة
صوم من لايبيت النية إلا ما خص كالصورة
المتقدمة [نيل الاوطار 222/4].
واستدل
ابن حزم بحديث سلمة على أن من ثبت له هلال
رمضان بالنهار جاز له استدراك النية
حينئذٍ ويجزيه وبناه على أن عاشورا كان
فرضاً أولاً وقد أمروا أن يمسكوا في أثناء
النهار، قال وحكم الفرض لايتغير [فتح
الباري 179/4].
مما
سبق يمكن أن نتبين حكم أهل العراق الذين لم
يصلهم البيان بكون يوم الاحد هو أول أيام
رمضان بأنهم أحد أثنين:
الأول: لم يأكل أول النهار فسمع
بأن يوم الأحد هو أول أيام رمضان فأمسك
يومه فهذا صيامه صحيح مجزئ عن أول يوم من
رمضان.
الثاني: أكل ثم علم هذا اليوم
الأول من رمضان فأمسك فهل يعد صائماً لذلك
اليوم، أجاز البعض اعتباره له صوماً
استثناءاً لقوله -صلى الله عليه و سلم-:
((من كان أكل فليصم بقية يومه)) وذهب
الآخرون إلى أنه يمسك بقية يومه ولا يعتبر
له صوماً وإنما عليه أن يقضيه لأن مراد
النبي -صلى الله عليه و سلم-
بقوله:
((فليصم بقية يومه)) الامساك لحرمة الوقت،
قاله ابن حجر وأضاف بأنه قد ورد صريحاً في
حديث أخرجه أبو داود والنسائي من طريق
قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة عن عمه: ((أن
أسلم أتت النبي -صلى الله عليه و سلم-
قفال: صمتم يومكم هذا؟ قالوا: لا، قال:
فأتموا بقية يومكم واقضوه)) [فتح الباري
178/4].
ولذا
نرى من باب الاحتياط أن يقضي صاحب الحالة
الثانية اليوم الأول الذي فاته.. والله
أعلم.
|