|
كان يتمنى أن يكمل دراسته
محطتنا الأولى كانت مع الطفل (م.ر) الذي يبلغ من العمر (14) عاماً يعمل في معمل لصناعة البلاستيك ويدير ماكنة تقطيع البلاستيك سألناه أولاً كيف تعمل على هذه الماكنة الخطرة التي تحتوي على سكاكين حادة قد تتعرض فيها للإصابة فأجابنا قائلاً.
كنت أتمنى أن أكون واقفاً مع زملائي في المدرسة ولكن ليس لدي خيار آخر فأنا معيل لأسرة من (8) أفراد ينتظرون مني الكثير فمنذ ثلاثة أعوام اضطررت للعمل وترك الدراسة لكي أوفر لأسرتي معيشة كريمة تليق بهم ولكي لا نمدّ يدنا لأحد فوالدي يعمل حارساً في المعمل وهو الذي وفر لي هذه الفرصة للعمل وبعد تزقف الحرب وتوقف المعمل عن الانتاج بسبب انقطاع التيار الكهربائي مرت علينا أيام عجاف عانينا فيها الأمرّين لا سيما وأن لدي أخوات في المدرسة ومصاريف الدراسة أرهقت كاهلي مما أجبرني على العمل لساعات إضافية حتى وقت متأخر من الليل أعود متعباً جداً لكي أنام وأصحوا من جديد على يوم آخر من المعاناة.
البصائر/ هل الأجر الذي تتقاضاه نظير هذا العمل يكفي؟
أحصل في نهاية كل أسبوع بما فيها يوم الجمعة على مبلغ(21,000) دينار معنى هذا أنك لا تتمتع بإجازات؟
نعم فأنا لم آخذ إجازة منذ شهر وأحياناً أكون مضطراً للعمل حتى وأنا مريض خوفاً من أن أنقطع عن العمل ويستبدلوني بشخص آخر.
ودعنا محدثنا هذا داعين الله تبارك وتعالى أن يقيض له عملاً آخر يمكنه من معاودة الدراسة من غير الإضرار بأسرته لكي يعوض ما فاته إنه سميع مجيب.
لا وقت لدي لمراجعة دروسي
أما محدثنا الثاني الطفل(ع.أ) البالغ من العمر (12) عاماً الذي يعمل في أحد المطاعم الشعبية بعد عودته من المدرسة والذي تنهد بحسرة قائلاً اضطرتني الظروف المعيشية السيئة إلى العمل بعد عودتي من المدرسة فوالدي رجل معاق ونحن نسكن في الإيجار ببدل إيجار مرتفع جداً قياساً إلى ما أحصل عليه وأخي الأكبر يعمل عتالاً في مجمع تجاري ووالدتي تعمل خياطة ولدي شقيقة في المدرسة هذا بالإضافة إلى مصاريفي المدرسية.
البصائر/ منذ متى وأنت تعمل؟ وكم هو الأجر الذي تتقاضاه؟
أجاب أعمل منذ سنتين أي منذ أن كنت في العاشرة من عمري أما الأجور فإنها متدنية جداً قياساً بالغلاء.
البصائر/ في أي ساعة تعود إلى المنزل؟
أعود إلى البيت بعد أن أكمل تنظيف المطعم في حوالي الساعة الحادية عشر ليلاً محاولاً سرقة بعض الوقت لمراجعة دروسي بشكل عابر.
البصائر/ وهل أثّر عملك على مستواك الدراسي؟
نعم فأنا أتعثر دائماً بسبب ضيق الوقت والارهاق وقلة النوم والتركيز.
علماً أني في المرحلة المتوسطة. شكرناه على حسن ضيافته، متمنين له النجاح.
وفي طريق عودتنا استوقفني منظر تدمع له العين لطفل يقارب(8) سنوات يحمل رزمة من الصحف يطوف بها حول السيارات في أحد التقاطعات محاولاً بيع الصحف لسائقي السيارات الذين تعودوا مخالفة الإشارة الضوئية وعدم الامتثال لتوسلات رجل المرور الذي يحاول عبثاً إقناع السائقين بأننا في مطلع القرن الواحد والعشرين وأن هنالك اختراعاً يسمى الإشارة الضوئية نعود إلى هذا البائع الصغير محاولين إقناعه بشتى السبل بأننا صحافة فرفض إجراء هذا الحوار معنا إلا بعد شراء عدة صحف وافقنا مضطرين راضخين لأوامره بدأنا حديثنا معه بالإستفسار عن اسمه الذي حاول جاهداً التملص من الإجابة عليه واتضح لنا بعد ذلك أن محاورنا هذا ماكر جداً وأنه يبدو أكبر من سنه بكثير.
البصائر/ كيف تحصل على الصحف؟
أجاب أن أخي يشتري الصحف من البورصة ويقتسمها معي ثم يذهب هو إلى تقاطع آخر ثم يعود ليصطحبني مساءً.
البصائر/ هل أنت في المدرسة؟
كلا لم أتمكن من التسجيل في المدرسة بعد أن اضطرتنا الظروف إلى مزاولة الكثير من الأعمال بدءاً من صباغة الأحذية ومروراً ببيع السكائر إلى أن انتهى بنا المطاف إلى بيع الصحف.
معنى هذا أنك لا تقرأ ولا تكتب؟ كيف يمكنك إذاً التعرف على أسماء الصحف؟
نعم أنا لاأقرأ ولا أكتب ولكني تعلمت أسماء الصحف من خلال تصميمها وشكلها.
البصائر/ لو أتيحت لك الفرصة للعودة للدراسة هل ستعود؟
نعم أتمنى أن أكون في المدرسة أقرأ وأتعلم وألعب مع أقراني بدلاً من التعرض لخطر الدهس يومياً بين السيارات. تمنينا له السلامة والعودة إلى المدرسة ليعيش حياته الطبيعية حاله حال كل أطفال العالم.
حملنا جعبتنا المثقلة بالهموم والمآسي التي حلت بأطفال بعمر الورد قادتهم ظروفهم السيئة إلى مزاولة أعمال لا يحبونها تاركين الدراسة لأطفال أمريكا.
البصائر/ سألنا السيد عبد اللطيف حسين الحديثي مدير مدرسة الرافدين الابتدائية عن أسباب تسرب التلاميذ وتركهم مقاعد الدراسة واستبدالها بأعمال شاقة لا تتناسب مع أعمارهم.
|

|
في كل يوم أتعرض لمخاطر الدهس.
لماذا يدفع الصغار ثمن أخطاء الكبار؟ |
فأجاب :انعكست الحالة الاقتصادية سلباً وأثرت بشكل مباشر على المستوى الدراسي من خلال ترك الدراسة حيث أصبحت ظاهرة خطيرة تهدد المجتمع بانتشار الأمية إضافة إلى تعريض الأطفال إلى أخطار الاصابات التي تنتج عن مزاولة أعمال خطيرة.
البصائر/ كيف يمكن القضاء على هذه الظاهرة أو الحدّ منها؟
في السابق كان بإمكان الطالب الذي يعمل نهاراً أن يدرس في الدراسات المسائية أما الآن وفي ظل ظروف انعدام الأمن أصبح ذلك شبه مستحيل إضافة إلى الدمار الذي حلّ بالمدارس من جراء عمليات السلب والنهب والتخريب الذي طال البنى التحتية للمدارس من مختبرات ووسائل إيضاح وأثاث مدرسي وبعض المدارس دمرت بالكامل جراء استخدامها كمواقع عسكرية بديلة أبان الحرب.
ونتسأل أخيراً هل يعي (مجلس الحكم) هذه القضية وأمثالها، أم أنها لا تشغل باله؟!!
وتمنياتنا لطلبتنا الأعزاء بالتوفيق والنجاح الدائم في عامهم الجديد.
|